خليل الصفدي
378
الوافي بالوفيات ( دار صادر )
أبو حنيفة أحمد بن داود الدينوري فإنّه من نوادر الرجال ، جمع بين حكمة الفلاسفة وبيان العرب [ له ] في كلّ فنّ ساق وقدم ورواء وحكم ، وهذا كلامه في « الأنواء » يدلّ على حظّ وافر من علم النجم وأسرار الفلك ، فأمّا كتابه في « النبات » فكلامه فيه في عروض كلام أبدى بدويّ وعلى طباع أفصح عربيّ ، ولقد قيل لي : إنّه له كتاب يبلغ ثلاثة عشر مجلّدا في القرآن ما رأيته وإنّه ما سبق إلى ذلك النمط ، هذا مع ورعه وزهده وجلالة قدره ولقد وقف الموفّق عليه وسأله وتحفّى به ، والثالث أبو زيد أحمد بن سهل البلخي فإنّه لم يتقدّم له شبيه في الأعصر الأول ولا يظنّ أنّه يوجد له نظير في مستأنف الدهر ، ومن تصفّح كلامه في كتاب « أقسام العلوم » وفي كتاب « أخلاق الأمم » وفي « نظم القرآن » وفي كتاب « اختيار السّير » وفي « رسائله » إلى إخوانه وجوابه عما يسأل عنه ويبده به علم أنّه بحر البحور وأنّه عالم العلماء وما رئي في الناس من جمع بين الحكمة والشريعة سواه وإن القول فيه لكثير ، ولو تناصرت إلينا أخبارهما لكنّا نحبّ أن نفرد لكلّ منهما تقريظا مقصورا عليه وكتابا منسوبا إليه كما فعلنا بأبي عثمان . قال ياقوت : قرأت في كتاب ابن فورّجة المسمّى « بالفتح على أبي الفتح » في تفسير قول المتنبّي « 1 » : فدع عنك تشبيهي بما وكأنّه * فما أحد فوقي وما أحد مثلي وقال فيه ما لم يرضه ابن فورجة ونسبه إلى أنّه سأل عنه أبا الطيب فأجاب بهذا الجواب ، فأورد ابن فورجة هذه الحكاية : زعموا أن أبا العباس المبرّد ورد الدينور زائرا لعيسى بن ماهان فأول ما دخل عليه وقضى سلامه قال له عيسى : أيها الشيخ ما الشاة المجثّمة التي نهى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم عن أكل لحمها ؟ فقال : هي الشاة القليلة
--> ( 1 ) ديوان المتنبي ص 22 .